لم يثبت أن أحدا من الصحابة صلاها عشرين
الكاتب المدير - الباني
تحقيق الآثار الواردة عنهم في ذلك وبيان ضعفها
وهناك روايات أخرى عن غير عمر من الصحابة رضي الله عنه فيها أنهم كانوا يصلون العشرين ولما كانت جميعها مما لا يثبت أمام النقد العلمي الصحيح وقد اغتر بها كثيرون كان لا بد من بيان ضعفها حتى يكون المؤمن على بينة من أمرها فأقول :
- 1 - عن علي رضي الله عنه وله عنه طريقان :
الأول : عن أبي الحسنا أن عليا أمر رجلا يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة . رواه ابن أبي شيبة والبيهقيوقال : " وفي هذا الإسناد ضعف " .
قلت : وعلته أبو الحسناء هذا قال الذهبي : " لا يعرف " وقال الحافظ : " مجهول " .
قلت : وأنا أخشى أن يكون فيه علة أخرى وهي الإعضال بين أبي الحسناء وعلي فقد قال الحافظ في ترجمته من " التهذيب " :
" روى عن الحكم بن عتيبة عن حنش عن علي في الأضحية " .
قلت : فبينه وبين علي شخصان والله أعلم .
الثاني : عن حماد بن شعيب عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه قالك
" دعا ( أي علي رضي الله عنه ) القراء في رمضان فأمر منهم رجلا يصلي بالناس عشرين ركعة قالك وكان علي رضي الله عنه يوتر بهم " .
رواه البيهقي ( 2/496 ) وإسناده ضعيف فيه علتان :
الأولى : عطاء بن السائب فإنه كان قد اختلط .
الثانية : حماد بن شعيب فإنه ضعيف جدا كما أشار إليه البخاري بقوله : " فيه نظر " وقال مرة : " منكر الحديث " فإنه إنما يقول هذا فيمنلا تحل الرواية عنه كما نبه إليه العلماء فلا يستشهد به ولا يصلح للاعتبار .
قلت : وقد خالفه محمد بن فضيل فرواه ابن أبي شيبة عنه عن عطاء بن السائب به مختصرا بفلظ " عن علي أنه قام بهم في رمضان ليس فيه العد مطلقا فهذا مما يدل على ضعف ابن شعيب هذا لأ محمد بن فضيل ثقة ولم يرو ما روى ابن شعيب فروايته منكرة على مقتضى قواعد علم الحديث .
- 2 - عن أبي بن كعب وله عنه طريقان أيضا :
الاول : [ كان أبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث رواه ابن أبي شيبة في المصنف بسند صحيح إلى عبد العزيز بن رفيع ولكنه منقطع بين عبد العزيز هذا وأبي فان بين وفاتهما نحو مائة سنة أو أكثر ولهذا قال العلامة النيموي الهندي :
" عبد العزيز بن رفيع لم يدرك أبي بن كعب " . نقله المباركفوري ثم عقب عليه بقوله ( 2/75 ) :
" الأمر كما قال النيموي فأثر أبي بن كعب هذا منقطع ومع هذا فهو مخالف لما ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة وأيضا هو مخالف لما ثبت عن أبي بن كعب أنه صلى في رمضان بنسوة في داره ثمان ركعات وأوتر وقد تقدم ذكره بتمامه " .
قلت : يشير غلىما ذكره قبل صفحة وهو قوله :
" ويدل على هذا اقل الأخير الذي اختاره مالك أعني إحدى عشرة ركعة ما رواه أبو يعلى من حديث جابر بن عبد الله قال : اء أبي بن كعب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه كان مني الليلة شيء يعني في رمضان قال : وما ذاك يا أبي ؟ قال : نسوة في داري قلن : إنا لا نقرأ القرآن فنصلي بصلاتك ؟ قال : فصليت بهن ثمان ركعات وأوترت فكانت سنة الرضى فلميقل شيئا قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " : " إسناده حسن " .
الطريق الثاني : أخرجه الضياء المقدسي في " المختارة " ( 1/384 ) عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن عمر أمر أبيا أن يصلي بالناس في رمضان فقال :
إن الناس يصومون النهار ولا يحسنون أن يقرؤوا فلو قرأت القرآن عليهم بالليل فقال : يا أمير المؤمنين هذا شيء لم يكن فقال : قد علمت ولكنه أحسن فصلى بهم عشرين ركعة .
قلت : وهذا إسناد ضعيف أبو جعفر هذا واسمه عيسى بن أبي عيسى بن ماهان أورده الذهي في " الضعفاء " وقال :
" قال أبو زرعة : يهم كثيرا وقال أحمد : ليس بقوي وقال مرة : صالح الحديث وقال الفلاس : سيء الحفظ وقال آخر ثقة " ثم أعاده الذهبي في " الكنى " وقال :
" جرحوه كلهم " وجزم الحافظ في " التقريب " بأنه سيء الحفظ " وقال ابن القيم في " زاد المعاد " ( 1/99 ) : " يا صاحب مناكير لا يحتج بما تفرد به أحد من أهل الحديث البتة " .
قلت : وهذا لا يشك فيه الباحث المتتبع لأحاديثه فإنه كثير المخالفة لروايات الثقات ومن ذلك هذا الحديث فقدتقدم بالإسناد الصحيح عن عمر أنه أمر أبيا أن يقوم للناس بإحدى عشرة ركعة ولا يعقل أن يخالف أبي أمر أمير المؤمنين لا سيما وهو موافق لسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فعلا وتقريرا لأبي كما تقدم بيانه .
وفيه مخالفة أخرى وهو قوله : " هذا شيء لم يكن " ويبعد أن يقوله أبي ويوافقه عمر رضي الله عنهما وقد كان هذا الاجتماع في عهده صلى الله عليه وسلم كما سبق بيانه بالأحاديث الصحيحة في الفصل الأول والمفروض أنهما شهدا أو على الأقل علما ذلك وهما من هما في العلم .
وبالجملة فهذه الرواية عن أبي منكرة لا تقومبها حجة .
- 3 - عن عبد الله بن مسعود :
روى ابن نصر في قيام الليل عن زيد بن وهب : كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يصلي بنا في شهر رمضان فينصرف وعليه لي . قال الاعمش : كان يصلي عشرين ركعة ويوتر بثلاث .
قال المباركفوري في " التحفة " :
" وهذا أيضا منقطع فإن الأعمش لم يدرك بن مسعود " .
قلت : وهو كما قال بل لعله معضل فإن الأعمش إنما يروي عن ابن مسعود بواسطة رجلين غالبا كما لا يخفى على المتتبع لمسند ابن مسعود ثم إننا لا ندري إذا كان السند بذلك صحيحا إلى الغمش لأ ه قد حذف السند مختصر الكتاب وهو الشيخ المقريزي وليته لم يفعل فقد أضاع علينا بذلك معرفة درجة كثير من أحادث الكتاب والظن أنه لا يصح إلى الأعمش فقد روى الطبراني هذا الأثر من طريق زيد بن وهب المذكور كما في " المجمع " ( 3/172 ) ولم يذكر قول الأعمش هذا فلعل في الطريق إليه راويا ضعيفا لسوء حفظ أو غيره والله أعلم .
هذا كل ما وقفنا عليه ن الآثار المروية عن الصحابة رضي الله عنهم في اليزادة على ما ثبت في السنة في عدد ركعات التراويح وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء وقد أشارالترمذي إلى تضعيفها كما سبق وظني أن القارئ الكريم لا يراها مجموعة في كتاب بهذا التتبع للطرق والتحقيق العلمي الدقيق فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
لا إجماع على العشرين :
لقد تبين لنا من التحقيق السابق أن كل ما روي عن الصحابة في أنهم صلوا التراويح عشرين ركعة لا يثبت منه شيء فما ادعاه البعض : " إن الصحابة أجمعوا على أن التراويح عشرون ركعة " مما لا يعول عليه لأنه بني على ضعيف وما بني على ضعيف فهو ضعيف ولذلك جزم العلامة المباركفوري في " التحفة " ب " أنها دعوى باطلة " . ويؤيده أنها لو كانت صحيحة لم يجز لمن بعدهم أن يخالفوهم وقد اختلفوا على أقل من هذا العدد وأكثر منه كما يأتي قريبا وادعاء مثل هذا الإجماع مما يحمل المحققين على أن لا يتسرعوا في قبول كل إجماع يرد ذكره في بعض الكتب فقد ثبت بالتتبع أنه لا يصح كثير مما يذكر فيها ومن الأمثلة أيضا على ذلك الإجماع الذي نقله بعضهم في أن الوتر ثلاث ركعات مع أنه ثبت عن غير واحد من الصحابة الإيثار بركعة واحدة فقط كما سيأتي قبيل الفصل السابع ولهذا قال المحقق صديق حسن خان في مقدمة كتابه " السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج " ( 1/3 ) :
" وقد حصل التساهل البالغ في نقل الإجماعات وصار من لا يجب ( كذا الأصل ولعل الصواب : نصيب ) له من مذاهب أهل العلم ين أن ما اتفق عليه أهل مذهبه أو أهل قطره هو إجماع وهذه مفسدة عظيمة فيأتي هذا الناقل بمجرد الدعوى بما تعم به البلوى ذاهلا عن لزوم الخطر العظيم على عباد الله تعالى من هذا النقل الذي لم يكن على طريق التثبتوالورع وأما أهل المذاهب الأربعة فقد صاروا يعدون ما اتفق عليهم بينهم مجمعاص عليه ولا سيما المتأخر عصره منهم كالنووي في شرحه مسلم من فعل كفعله وليس هذا هو الإجماع الذي تكلم العلماء بحجيته فإن خير القرون [ القرن الأول ] ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم هم كانوا قبل ظهور المذاهب ثم كان في عصر كل واحد من الائمة الأربعة نم أكابر أهل العلم الناهضين بالاجتهاد من لا يأتي عليه الحصر وهكذا جاء بعد عصرهم إلى هذه الغاية وهذا يعرفه كل عارف منصف ولكن الإنصاف عقبة كؤود لا يجوزها إلا من فتح الله تعالى به أبواب الحق وسهل عليه الدخول منها قال العلامة الشوكاني في " وبل الغمام حاشية شفاء الأوام " : إن الإجماعات التي يحكونها في المصنفات ليست إلا باعتبار أن الحاكي لم يعلم بوقوع خلاف في المسألة وعدم علمه بالوقوع لا يستلزم العدم غاية ما هناك أن حصل له ظن بالإجماع ومجرد ظن فرد من الإفراد لا يصلح أن يكون مستندا للإجماع لا طريقا من طرقه ومن قال بحجية الإجماع لا يقول بحجية فهو مجرد ظن لفرد من أفراد الأمة ولم يتعبد الله أحد من خلقه بمثل ذلك فإنه لو قال المطلع : لا أعلم في هذه المسألة دليلا ن السنة أو دليلا من القرآن لم يقل عاقل فضلا عن عالم أن هذه المقالة حجة . إذا تقرر هذا هان عليك الخطب عند سماع حكاية الإجماع لأ ه ليس بالإجماع الذي اختلفت الأمة في كونه حجة أم لا مع أنه قد ذهب الجمهور من أهل الأصول إلى أن الإجماع لا تقبل فيه أخبار الآخاد كما صرح بذلك القاضي في " التقريب " والغزالي في كتبه إلى آخر ما قال وقد أوردت حجج هذه المسألة في كتابي " حصول المأمول من علم الأصول " وأوردها الولدان الصالحان في " الاقليد " و" الطريقة المثلى " فمن رام انثلاج خاطره فيرجع إليها وإلى " دليل الطالب " وغيره من مؤلفاتنا .
قلت : وكذلك حقق القول في هذه المسألة الإمام أبو محمد ابن حزم في كتابه القيم " إحكام الأحكام في أصول الأحكام " وهو مطبوع في مصر في ثمانية أجزاء فليرجع إليه من شاء التحقق من الإجماعات التي يلهج بها بعض الناس فإنه من أحسن كتب الأصول المدعمة بالأدلة من الكتاب والسنة بخلاف غيرها التي بنيتعلى مجرد الدعوى
No comments:
Post a Comment