Friday, February 4, 2011

Albani on Umar bin Khatab's order to pray 11 rakath Tharaweeh


إحياء عمر لسنة الجماعة في التراويح وأمره بال ( 11 ) ركعة

الكاتب المدير - الباني
سبق أن ذكرنا أن الناس بقعد وفاته صلى الله عليه وسلم استمروا على أداء التراويح في المسجد أوزاعا وراء أئمة متعددين وذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلفة عمر رضي الله عنهما ثم إن عمر رضي الله عنه جمعهم وراء إمام واحد فقال عبد الرحمن بن عبد القاري :
خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط ( عدد يجمع من ثلا ثة إلى عشرة ) فقال : [ والله ] إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب [ قال ] : ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم [ ف ] قال عمر : نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله " .
رواه مالك في الموطأ وعنه البخاري والفرياني ورواه ابن أبي شيبة نحوه دون قوله نعمت البدعة هذه وله عند ابن سعد والفريابي طريق آخر بلفظ : " ان كانت هذه لنعمت البدعة " ورجاله ثقات غير نوفل بن إياس فقال الحافظ في " التقريب " : " مقبول " عند المتابعة والا فلين الحديث ] .
واعلم أنه قد شاع بين المتأخرين الاستدلال بقول عمر " نعمت البدعة هذه " على أمرين اثنين :
الأول : إن الاجتماع في صلاة التراويح بدعة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا خطأ فاحش لا نطيل الكلام عليه لظهوره وحسبنا دليلا على إبطاله الأحاديث المتقدمة في جمعه صلى الله عليه وسلم الناس في ثلاث ليال من رمضان وإن ترك الجماعة لم يكن إلا خشية الافتراض .
الثاني : أن في البدعة ما يمدح وخصصوا به عموم قوله صلى الله عليه وسلم " كل بدعة ضلالة " ونحوه من الأحاديث الأخرى وهذا باطل أيضا فالحديث على عمومه كما سيأتي بيانه في الرسالة الخاصة بالبدعة إن شاء الله تعالى وقول عمر : " نعمت البدعة هذه " لم يقصد به البدعة بمعناها الشرعي الذي هو إحداث شيء في الدين على غير مثال سابق لما علمت إنه رضي الله عنه لم يحدث شيئا بل أحيا أكثر من سنة نبوية كريمة وإنما قصد البدعة بمعنى من معانيها اللغوية وهو الأمر الحديث الجديد الذي لم يكن معروفا قبيل إيجاده ومما لا شك فيه أن صلاة التراويح جماعة وراء إمام واحد لم يكن معهودا ولا معمولا زمن خلافة أبي بكر وشطرا من خلافة عمر - كما تقدم - فهي بهذا الاعتبار حاديثة ولكن بالنظر إلى أنها موافقة لما فعله صلى الله عليه وسلم فهي سنة وليست بدعة وما وصفها بالحسن إلا لذلك وعلى هذا المعنى جرى العلماء المحققون في تفسير قول عمر هذا فقال السبكي - عبد الوهاب - في " إشراق المصابيح في صلاة التراويح " ( 1/168 ) من " الفتاوى " :
" قال ابن عبد البر : لم يسن عمر من ذلك إلا ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبه ويرضاه ولم يمنع ن المواظبة إلا خشية أن تفرض على امته وكان بالمؤمنين رؤوفا ريما صلى الله عليه وسلم فلما علم عمر ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم أن الفرائض لا يزاد فيها ولا ينقص منها بعد موته صلى الله عليه وسلم أقامها لناس وأحياها وأمر بها وذلك سنة أربعة عشرة من الهجرة وذلك شيء ذخره الله له وفضله به ولم يلهمه أبا بكر وإن كان أفضل وأشد سبقا إلى كل خير بالجملة ولكل واحد منهما فضائل خص بها ليس لصاحبه " قال السبكي :
" ولو لم تكن مطلوبة لكانت بدعة مذمومة كما في " الرغائب " ليلة نصف شعبان وأول جمعة من رجب فكان يجب إنكارها وبطلانه ( يعني بطلان إنكار جماعة التراويح ) معلوم من الدين بالضرورة " .
وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في فتواه ما نصه :
" إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وقتال الترك لما كان مفعولا بأره صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعة وإن لم يفعل في عهده وقول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح : " نعمت البدعة هي " أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى : ما كنت بدعا من الرسل وليست بدعة شرعية فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم ومن قسمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسم البدعة اللغوية ومن قال كل بدعة ضلالة فمعناه البدعة الشرعية ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان لغير الصلوات الخمس كالعيدين وإن لم يكن فيه نهي وكرهوا استلام الركنين الشاميين والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة قياسا على الطواف وكذا ما تركه صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضي يكون تركه سنة وفعله بدعة مذمومة وخرج بقولنا مع قيام المقتضي في حياته إخراج اليهود وجمع لمصحف وما تركه لوجود المانع كالاجتماع للتراويح فإن المقتضي التام يدخل فيه عدم المانع " .
أمر عمر بال ( 11 ) ركعة :
وأما أمر عمر رضي الله عنه بالإحدى عشرة ركعة فهو ما رواه مالك في " الموطأ " ( 1/137 ) ( ورقم 248 ) عن محمد بن يوسف عن السائب بن ييد أنه قال :
أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشر ركعة قال : وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر " . سنده صحيح جدا ] وابن إسحاق
قال : " ثلاث عشرة ركعة " وهكذا رواه ابن نصر في " قيام الليل " ( 91 ) وزاد :
" قال ابن إسحاق وما سمعت في ذلك ( يعني عدد القيام في رمضان ) هو أثبت عندي ولا أحرى من حديث السائب وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له من الليل ثلاث عشرة ركعة " .
قلت : وهذا العدد : " لاث عشة " ترد به ابن إسحاق وهو موافق للرواية الأخرى من حديث عائشة في قيامه صلى الله عليه وسلم في رمضان وقد بينت في رواية أن منها ركعتي الفجر فيمكن حمل رواية ابن إسحاق هذه على ذلك حتى توافق رواية الجماعة .
ومما سبق تعلم أن قول ابن عبد البر :
" ولا أعلم أحدا قال فيه " إحدى عشرة " إلا مالكا " خطأ بين وقال المباركفوري في " تحفة الأحوذي " : " وهم باطل " ولهذه رده الزرقاني في " شرح الموطأ " بقوله :
" ليس كما قال فقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن محمد بن يوسف فقل : إحدى عشرة ركعة كما قال مالك " .
قلت : وسنده في غاية الصحة كما قال السيوطي في " المصابيح " وهذا وحده يكفي في رد قول ابن عبد البر فكيف وقد انضم إلى ذلك تلك المتابعات الأخرى التي لم أر من سبقني إلى جمعها والحمد لله على توفيقه .
لم يثبت أن عمر صلاها عشرين
تحقيق الأخبار الواردة في ذلك وبيان ضعفها
ولا يجوز أن تعارض هذه الرواية الصحيحة بما رواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف بلفظ " إحدى وعشين " لظهور خطأ هذا اللفظ من وجهين : الأول : مخالفته لرواية الثقة المتقدمة بلفظ " إحدى عشرة " الثاني : أن عبد الرزاق قد تفر بروايته على هذا اللفظ فإن سلم ممن بينه وبين محمد بن يوسف فالعلة منه أعني عبد الرزاق لأنه وإن كان ثقة حافظا ومصنفاص مشهورا فقد كان عي في آخر عمره فتغير كما قال الحافظ في " التقريب " ولهذا أورده الحافظ أبو عمر ابن الصلاح في " من خلط في آخر عمره " فقال في " مقدمة علوم الحديث " :
" ذكر أحمد بن حنبل أنه عمي في آخر عمه فكان يلقن فيتلقن فسماع من سمع منه بعد ما عمي لا شي قال النسائي : فيه نظر لمن كتب عنه بآخره " .
وقال في مقدمة الفصل المذكور ( ص 391 ) :
" والحكم فيها ( يعني المختلطين ) أنه يقبل حديث من أخ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده " .
قلت : وهذا الأثر من القسم الثالث أي لا يدرى حدث به قبل الاختلاط أو بعده فلا يقبل وهذا لوسلم من الشذوذ والمخالفة فكيف يقبل معها ؟
فإن قيل : فقد روى الفريابي في " الصيام " ( 76/1 ) والبيهقي في " السنن ( 2/496 ) من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال : " كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة قال : وكانوا يقرؤون بالمئين وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان رضي الله عنه من شدة القيام " .
قلت : هذه الطريق بلفظ العشرين هي عمدة من ذهب إلى مشروعية العشرين في صلاة التراويحن وظاهر إسناده الصحة ولهذا صححه بعضهم ولكن له علة بل علل تنع القول بصحته وتجعله ضعيفا منكرا وبيان ذلك من وجوه :
الأول : أن ابن خصيفة هذا وإن كان ثقة فقد قال فيه الإمام أحمد في رواية عنه " منكر الحديث " ولهذا أورده الذهبي في " الميزان " ففي قول أحمد هذا إشارة إلى أن ابن خصيفة قد ينفرد بما لم يروه الثقات فمثله يرد حديثه إذا خاف من هو أحفظ منه يكون شاذا كما تقرر في " مصطلح الحديث " وهذا الأثر من هذا القبيل فإن مداره على السائب بن يزيد كما رأيت وقد رواه عنه محمد بن يوسف وابن خصيفة واختلفا عليه في العدد فالأول قال عنه : ( 11 ) والآخر قال : ( 20 ) والراجح قول الأول لأنه أوثق منه فقد وصفه الحافظ ابن حجر بأنه " قة ثبت " واتصر في الثاني على قوله : " ثقة " فهذا التفاوت من المرجحات عند التعارض كما لا يخفى على الخبير بهذا العلم الشريف .
الثاني : أن ابن خصيفة اضطرب في روايته العدد فقال إسماعيل بن أية أن محمد بن يوسف ابن أخت السائب بن يزيد أخبره ( قلت : فذكر مثل رواية مالك عن ابن يوسف ثم قال ابن أمية ) : قلت : أو واحد وعشرين ؟ قال : ( يعني محمد بن يوسف ) : لقد سمع ذلك ن السائب بن يزيد - ابن خصيفة ؟ فسألت ( السائل هو إسماعيل بن أمية ) يزيد بن خصيفة ؟ فقال : حسبت أن السائب قال : أحد وعشرين . قلت : وسنده صحيح .
فقوله في هذه الرواية " أحد وعشرين " على خلاف الرواية السابقة : " عشرين وقوله في هذه " حسبت " أي ظننت دليل على اضطراب ابن خصيفة في رواية هذا العدد وإنه كان يريوه على الظن لا على القطع لأنه لم يكن قد حفظه جيدا فهذا وحده كاف لإسقاط الاحتجاج بهذا العدد فكيف إذا اقترن به مخالفته لمن هو أحفظ منه كما في الوجه الأول ؟ ويؤيده الوجه الآتي :
الثالث : أن محمد بن يوسف هو ابن أخت السائب بن يزيد - كما سبق آنفا - فهو لقرابته للسائب أعرف بروايته من غيره وأحفظ فما رواه من العدد أولى مما رواه مخالفه ابن خصيفة ويؤيده أنه موافق لما روته عائشة في حديثها المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ييد على إحدى عشرة ركعة وحمل فعل عمر رضي الله عنه على موافقة سنته صلى الله عليه وسلم خير وأولى من حمله على مخالفتها وهذا بين لا يخفى إن شاء الله تعالى .
ومثل هذه الراية في الضعف ما ذكره ابن عبد البر قال :
" ورى الحارث بن عبد الرحمن ابن أبي ذباب عن السائب بن يزيد قال : كان القيام على عهد عمر بثلاث وعشرين ركعة " .
قلت : وهذا سند ضعيف لأن ابن أبي ذباب هذا فيه ضعف من قبل حفظه قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ( 1/2/80 ) : " قال أبي : يروي عنه الدراوردي أحاديث منكرة وليس بذلك القوي يكتب حديث . وقال أبو زرعة : لا بأس به " .
قلت : ولذلك كان مالك لا يعتمد عليه كما في " التهذيب " للحافظ ابن حجر وقال في " التقريب " : " صدوق يهم " .
قلت : فمثله لا يحتج بروايته لما يخشى من وهمه لا سيما عند مخالفته للثقة الثبت ألا وهو محمد بن يوسف ابن أخت السائب فإنه قال : " إحدى عشرة ركعة " كما سبق .
على أننا لا ندري إذا كان السند بذلك إليه صحيحا فليس كتاب ابن عبد البر في متناول يدنا لنرجع إليه فننظر في سائر سنده إن كان ساقه .
ومثل هذه الرواية في الضعف رواية يزيد بن رومان قال :
" كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة " .
رواه مالك وعنه افريابي وكذا البيهقي في السنن . وفيه ضعفه بقوله :
" يزيد بن رومان لم يدرك عمر " .
وكذا ضعفه النووي في " المجموع " فقال : ( 4/33 ) :
" رواه البيهقي ولكنه مرسل فإنيزيد بن رومان لم يدرك عمر " وكذلك ضعفه العيني بقوله : في " عمدة القاريء شرح صحيح البخاري " ( 5/357 ) : " سنده منقطع " .
فهذه الرواية ضعيفة لانقطاعها بين ابن رومان وعمر فلا جة فيها لا سيما وهي مخالفة للرواية الصحيحة عن عمر في أمره بالإحدى عشرة ركعة .
وهذا منقطع أيضا قال العلامة المباركفوري في " التحفة " ( 2/85 ) :
قال النيموي في " آثار السنن " : " رجاله ثقات لكن يحيى ابن سعيد الأنصاري لم يدرك عمر " انتهى . قلت : الأمر كما قالك النيموي فهذا الأثر منقطع لا يصلح للاحتجاج ومع هذا فهو مخالف لما ثبت بسند صحيح عن عمر رضي الله عنه أنه أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة . أخرجه مالك في " الموطأ " وقد تقدم وأيضا هو مخالف لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث الصحيح " .
تضعيف الإمام الشافعي والترمذي لعدد العشرين عن عمر
هذا : وقد أشار الترمذي في سننه ( 2/74 ) إلى عدم ثبةت عدد العشرين عن عمر ويره من الصحابة فقال :
" روي عن علي وعمر وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " .
وكذلك قال الشافعي : في العشرين عن عر كما نقله صاحبه المزني عنه في مختصره ( 1/107 ) .
فقولهما : " روي " تضعيف منهما للمروي كما هو معروف عند المحدثين فإن من المروض أن الإمام الشافعي والترمذي من أولئك العلماء المحقيين الذين عناهم النووي رحمه الله بقوله في " المجموع " ( 1/63 ) :
" قال العلماء المحققون من أهل الحديث وغيرهم إذا كان الحديث ضعيفا لا يقال فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعل أو أمر أو نهى أو حكم وما أشبه ذلك من صيغ الجزم . وكذا لا يقال فيه :
روى أبو هريرة أو قال أو ذكر أو أخبر أو حدث أو نقل أو أفتى وما أشبهه وكذا لا يقال ذلك في التابعين ومن بعدهم فيما كان ضعيفا فلا يقال في شيء من ذلك بصيغة الجزم وإنما يقال في هذا كله : روي عنه أو نقل عنه أو حكي عنه أو بلغنا عنه أو يقال أو يذكر أو يحكى أو يروى أو يرفع أو يعزى وما أشبه ذلك من صيغ التمريذ وليست من صيغ الجزم قالو : فصيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن وصيغ التمريض لما سواهما وذلك أن صيغة الجزم تتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن يطلق إلا فيما صح وإلا فيكون الإنسان في معنى الكاذب عليه . وهذا الأدب أخل به المصنف وجماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم بل جماهير أصحاب العلوم مطلقا ما عدا حذاق المحدثين وذلك تساهل قبيح فإنهم يقولون كثيرا في الصحيح : " روي عنه " وفي الضعيف " قال " و" روى فلان " وهذا حيد عن الصواب " .
هذه الروايات لا يقوي بعضها بعضا :
قد يقول البعض : سمنا بضعف مفردات هذه الروايات ولكن ألا يقوي بعضها بعضا لكثرتها ؟
فأقول : كلا وذلك لوجهين :
الأول : أن هذه الكثرة يحتمل أن تكون شكلية غير حقيقية فإنه ليس لدينا إلا رواية السائب بن يزيد المتلة وروياة يزيد بن رومان ويحيى بن سعيد الانصاري المنقطعة ومن الجائز أن يكون مدار هذه الرواية لى بعض من روى الرواية الأولى وجائز غير ذلك كما يأتي ومع الاحتمال يسقط الاستدلال .
الثاني : أننا أثبتنا فيما تقدم أن روايةمالك عن محمد بن يوسف الثقة البت عن السائب بالإحدى عشرة ركعة هي الصحيحة وأن من خالف مالكا فقد أخطأ وكذلك من خالف محمد بن يوسف وهما ابن خصيفة وابن أبي ذباب فروايتهما شاذة ومن المقرر في علم المصطلح أن الشاذ منكر مردود لأنه خطأ والخطأ لا يتقوى به قال ابن الصلاح في " المقدمة " ( ص 86 ) :
" إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره . . . فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به . . . " .
ولا شك أن هذه الرواية من النوع الأول لأن راويها مخالف لما رواه من هو ألى منه بالحفظ لذلك وأضبط فهي مردودة ومن الواضح أن سبب رد العلماء للشاذ إنما هو ظهور خطأها بسبب المخالفة المذكورة وما ثبت خطأه فلا يعقل أن يقوى به رواية أخرى في معناها فثبت أن الشاذ والمنكر مما لا يعتد به ولا يستشهد به بل إن وجوده وعدمه سواء .
ثم إن رواية يزيد بن رومان ويحيى بن سعيد الأنصاري المنقطعتين لا يجوز أن يقال : عن إحداها تقوي الأخرى لأن الشرط في ذلك أن يكون شيوخ كل من الذين أرسلاها غير شيوخالآخر وهذ لم يثبت هنا لأ كلا من الراويين يزيد وابن سعيد مدني فالذي يغلب على الظن في هذه الحالة أنهما اشتركا في الرواية عن بعض الشيوخ وعليه فمن الجائز أن أن يكون شيخهما الذي تلقيا عنه هذه الرواية إنما هو شيخ واحد وهذا قد يكون مجهولا أو ضعيفا لا يحتج به ومن لجائز أنهما تلقياها عن شيخين متغايرين ولكنهما ضعيفان لا يعتبر بهما وجائز أيضا أن يكون هذان الشيخان هما ابن خصيفة وابن أبي ذباب فإنهما مدنيان أيضا وقد أخطأ في هذه ارواية كما تقدم وعليه تكون رواية يزيد وابن سعيد خطأ أضا كل هذا جائز محتمل ومع الاحتمال يسقط الاستدلال قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها وأصح الأقوال أن منها القبول ومنها المردود ومنها الموقوف . . . وما كان من المراسيل مخالفا لما رواه الثقات كان مردودا وإن جاء المرسل من وجهين كل من الراويين أخذ العلم من غير شيوخ الآخر فهذا مما يدل على صدقه فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه . . . " .
والغفلة عن هذا الشرط أوقع بعض كبار العلماء في تصحيح بعض القصص الظاهرة البطلان مثل قصة الغرانيق المشهورة كما بينته في كتابي السابق " نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق " فليتنبه لهذا فإنه مهم جدا .
وما ذكرته هنا في هذه الروايات عن عمر يقال مثله أو نحوه في الروايات الآتية عن علي وغيره في الفصل الخامس يزاد عليه بعضها ضعيف جدا كالطريق الثاني عن علي فلا يصلح أن يقوى به الطريق الأول .
فتذكر هذا فإنه ينفعك إن شاء الله تعالى .
الجمع الصحيح بين الوايتين عن عمر :
وإذا تبين للقاريء شعف هذه الرواية عن عمر فلا ضرورة حينئذ إلى الجمع بينها وبين الرواية الصحيحة عنه كما فعل بعضهم - فقال : " إنهم كانوا يقومون أول الأمر بإحدى عشرة ركعة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترين بثلاث " لأننا نقول أن الجمع فرع التصحيح وهذه الروايات غير صحيحة فلا داعي للجمع المذكور على انه يمكن معارضة هذا الجمع فقال المباركفوري رحمه الله ( 2/76 ) عقب الجمع المذكور .
" قلت : فيه أنه لقائل أن يقول : بأنهم كانوا يقومونأولا بعشرين ركعة ثم كانوا يقومون بإحدى عشرة ركعة وهذا هو الظاهر لأ هذا كان موافقا لما هو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذاك كان مخالفا له فتفكر " .
العشرون - لو صح - إنما كان لعلة وقد زالت
على أنه لو فرضنا أن أحدا لم يقتنع من البيان السابق بضعف عدد العشرين عن عمر - فإنا نقول إنه لا يلزم من ذلك التزام العمل بهذا العدد بحيث يهجر العمل بما ثبت في السنة عنه صلى الله عليه وسلم من الإحدى عشرة ركعة فضلا عن أن يعتبر العامل بهذه السنة خارجا عن الجماعة ذلك لأن الالتزام شيء زائد على الفعل في مثل ما نحن فيه إذ أن فعل عمر للعشرين إنما يدل على مشروعيته فقط ولا يفيد أكثر من ذلك لأنه مقابل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم المخالف له من حيث العدد فلا يجوز والحالة هذه إهدار فعله صلى الله عليه وسلم والإعراض عنه بالتزام ما فعله عمر رضي الله عنه فقط بل غاية ما يستفاد منه جواز الاقتداء به في ذلك مع الجزم والقطع بأن الاقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم أفضل . وهذا مما ينبغي أن لا يرتاب فيه عاقل .
وهذا كله يقال لو فرضنا أن عمر زاد على العدد المسنون بحجة أن الزيادة لا مانع منها مطلقا - كما يزعم البعض وسبق الرد عليه - أما وعمر لم يأت بها من هذا الباب بل بعلة التخفي على الناس من طول القيام الذي كان صلى الله عليه وسلم يقوم بالناس في صلاة التراويح كما قف عليه القارئ الكريم في الأحاديث التي أوردناها في الفصل الأول - فقد ضكر غير واحد من العلماء أن مضاعفة العدد كانت عوضا عن طول القيام أقوك فهذه المضاعفة مع تخفيف القراءة في القيام - لو فعلها عمر رضي الله عنه - لكان له ما قد يبرره في ذلك العصر لأنه مع ذلك كانوا لا يفرغون من صلاة التراويح في عهد عمر إلامع الفجر كما سبق وكانوا مع هذا التخفيف المزعوم يقرأ إمامهم في الركعة الواحدة ما بين العشرين والثلاثين آية يضاف إلى ذلك أنهم كانوا يسوون بين الأركان من القيام والركوع والسجود وما بين ذلك فيطيلونها حتى تكون بعضها قريبا من بعض ويكثرون فيها من التسبيح والتحميد والدعاء والذكر كما هو السنة في كل ذل وأما اليوم فليس هناك شيء من هذه القراءة الطويلة حتى تخفف ويعوض عنها بزيادة الركعات فإن أكثر أئمة المساجد ليخففون القراءة في هذه الصلاة - كما هو مشاهد - إلى درجة أن لو قيل لهم خففوا القراءة لما وجدوا سبيلا إلى ذلك إلا أن يتركوا القراءة مطلقا بعد الفاتحة أو لاقتصروا - في أحسن الأحوال - على مثل آية مدهامتان وقد بلغني أن بعضهم فعل ذلك وهذه افاتحة التي يقرؤونها فإنهم قد ذهبوا بطلاوتها ولاوتها لشدة السرعة التي يقروؤونها بها حتى أن الكثيرين منهم ليأتون عليها بنفس واحد خلافا للسنة التي تنص أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرؤوها آية آية ولئن وجد في أولئك الأئمة من يطيل القراءة بعض الإطالة فإنهم قد اتفقوا جميعا على الإعراض عن تسوية الأركان والمقاربة بينها مع أن سنية ذلك ثابتة في أحاديث كثيرة منها حديث حذيفة بن اليمان المتقدم .
أقولك فهذا الواقع الي عليه غالب المسلين اليوم - فيما أعلم - يجعل العلة التي من أجلها زيدت ركعات التراويح زائلة ويبزوالها يزول المعلول وهو عدد العشرين فوجب إذن - من هذه الجهة أيضا - الرجوع إلى العدد الوارد في السنة الصحيحة والتزامه وعدم الزيادة عليه مع حض الناس على إطالة القراءة وأذكار الأركان فيها قدر الطاقة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح رضي الله عنهم .
وأعتقد أن هذا الواقع سيحمل من شاء الله من الفكرين المصلحين على أن يتبنوا رأية بضرورة الرجوع في صلاة التراويح إلى سننه صلى الله عليه وسلم كما وكيفا فقد فعلوا مثله في مسألة أخرى هي أهم من هذه من حيث نتائجها وأثرها في المجتمع وفي ظهور مخالفتها لعمر رضي الله عنه ألا وهي اعتبار الطلاق الواقع من الرجل بلفظ ثلاث طلاقا واحدا وقد كانوا إلى زمن قريب يعتبرونه ثلاثا ( لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) وعمدتهم في ذلك إطباق كتب المذاهب الأربعة عليه تبعا لرأي عمر رضي الله عنه فيه مع علمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعله طلقة واحدة فإذا بهم اليوم يدعون رأي عمر هذا مع ثبوته عنه لما رأوا أن هذا الرأي قد عاد على الناس في هذا العصر بخلاف ما رمى إليه عمر رضي الله عنه من الإصلاح فرجعوا إلىالنة لأنه تبين لهم - بعد لأي - أن الإصلاح المنشود لا يتحقق إلا بها ومن العجائب أن الكثيرين منهم كانوا إلى عهد قريب يعادون ابن تيمية رحمه الله أشد العداء ويطعنون فيه أشد الطعن لإفتائه بهذه السنة وتركه لرأي عمر واجتهاده المخالف لها وينسبونه بسبب ذلك إلى الخروج عن الجماعة فإذا بهم اليوم يقضون بما كانوا بالأمس به يكفرون ذلك لأنه لا يعرفون الرجوع إلى السنة والعمل بها لأنه هو الواجب شرعا بل إنما يرجعون إليها تحت تأثير الحوادث والتجارب ومراعاة للمصالح فعسى أن يتبنوا الرجع إلى السنة والعمل بها لأنه هو الواجب شرعا بل إنما يرجعون إليها تحت تأثير الحوادث والتجارب ومراعاة للمصالح فعسى أن يتبنوا الرجوع إلى سنته صلى الله عليه وسلم في صلاة التراويح للنص القرآني فإن الله تبارك وتعالى يقول في نبيه صلى الله عليه وسلم وسننه : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ويقول : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم
الكاتب المدير   
الخميس, 03 يونيو 2010 21:04

No comments: